أسرع مصعد بناية في العالم يتحول إلى نقطة جذب سياحية

أسرع مصعد بناية في العالم يتحول إلى نقطة جذب سياحية

ركوب المصاعد أمر لا يستحق التوثيق عادةً. ولكن عندما تخطو داخل مصعد برج شنغهاي، ستجد من حولك يستخدمون هواتفهم لهذا الغرض. عندما تُغلق الأبواب، تُضاء شاشة المصعد الأمامية لتُظهر موقعه وهو يرتفع باتجاه منصة المشاهدة بالمبنى، والتي افتُتحت حديثاً. يقوم مضيفٌ أنيق بإخبار الركاب بأن المصعد قد وصل الآن إلى سرعته القصوى التي تبلغ 18 متراً في الثانية، وهو ما يعادل تقريباً  60  كيلومترا في الساعة الواحدة.

إنه سريعٌ حقاً  هكذا عبر أحد الركاب خلال صعوده البرج. في الواقع، فإن هذا المصعد هو الأسرع في العالم.

وفي حفلٍ أُقيم في طوكيو في أوائل ديسمبر، مُنح مصعد شنغهاي وشركة ميتسوبيشي إلكتريك التي أنشأت البرج، بشكل رسمي لقب أسرع مصعد في العالم من قِبل موسوعة غينيس العالمية. ومع ذلك، ربما لم يختبر الكثير من الركاب أقصى سرعة للمصعد. وللقيام بذلك، عليك أن تستقل هذا المصعد المذهل رفقة أحد الفنيين من شركة ميتسوبيشي، الذي يمكنه الضغط على زرٍ ما لجعل عداد السرعة الذي يظهر على الشاشة يتحول إلى اللون الأحمر، عندها تصل السرعة إلى 20.5 متراً في الثانية . وتشهد الصين ازدهاراً في صناعة المصاعد. فعلى مدار العقد الماضي، كانت الغالبية العظمى من المصاعد المثبتة في جميع أنحاء العالم من نصيب الصين، حيث التقى التحضر السري بالمائة من المصاعد حول العالم.

وعندما يتعلق الأمر بالسرعة، فإن بقية دول العالم لا يُمكنها مجاراة الصين. صحيح أن برج خليفة في دبي هو ناطحة السحاب الوحيدة في العالم التي تتجاوز برج شنغهاي طولاً، إلا أن مصاعد برج خليفة بالكاد تصل إلى نصف سرعة برج شنغهاي.
كما أن أسرع مصعد في الغرب الموجود في البرج رقم
1 لمركز التجارة العالمي بولاية مانهاتن، يعمل بسرعة ضعيفة تصل إلى 30 كيلومتر في الساعة. بل إن مصعد برج شنغهاي أسرع حتى من برج توايلايت، الموجود بأستديوهات ديزني والمُخصص للتسلية، إذ تصل سرعته إلى 39 ميلاً في الساعة.

ألقِ نظرة على قائمة أسرع مصاعد في العالم، ستجد الصين تحتل المراتب الخمس الأولى من أصل أسرع 10 مصاعد في العالم. ولكن الجزء الأكبر من سوق المصاعد في الصين يتباطأ. وبما أن الحال على هذا النحو، فإن شركات المصاعد قد أصبحت في تنافس محموم على كل المستويات.

كانت شركات مثل ميتسوبيشي قد دخلت في خضم منافسة مع شركات من جميع أنحاء العالم من أجل الحصول على عقود ضخمة. يُذكر أن شركة مصاعد يابانية أخرى، وهي شركة هيتاشي، كانت على بعد خطوات من الفوز بعقد برج شنغهاي. وبدلاً من ذلك مُنحت عقداً لبناء مصعد في مدينة غوانزو، ثم أعلنت بعد ذلك عن خططها للتغلب على شركة ميتسوبيشي من خلال تصميم مصاعد تصل سرعتها إلى 44.7 ميلاً بالساعة. في النهاية، قامت ميتسوبيشي بتثبيت أجهزة جديدة بأحد المصاعد في برج شنغهاي، مما جعلها تنتزع الرقم القياسي الذي حققته مرة أخرى من شركة هيتاشي، وذلك بعد فترة وجيزة من فقدانها للرقم. وقال ممثلو شركة ميتسوبيشي أن مطالب العميل بالإضافة إلى الائتلاف التجاري وبعض المشاورات مع حكومة بلدية شانغهاي، كانت الدافع وراء القرار. تم تثبيت أول مصعد آمن في العالم من قِبل شركة أوتيس الأميركية في عام 1857 بأحد الفنادق في مدينة نيويورك. ويقطع هذا المصعد خمسة طوابق بسرعة أقل من نصف ميل في الساعة.

وفقاً للي غراي، وهو أستاذ مشارك في الهندسة المعمارية في جامعة نورث كارولينا في شارلوت، فإن سرعة المصاعد قد تحسنت عندما انتقلت من استخدام المحركات البخارية القابلة للانفجار إلى الأنظمة الهيدروليكية الأكثر كفاءة وإلى أنظمة الجر الكهربائية. سرعان ما يتوتر الزوار الأوروبيون الذين عبروا المحيط الأطلسي بسبب سرعة المصاعد.

وتابع غراي حديثه قائلاً يتعجب البريطانيون من سرعة المصاعد عندما يزورون الولايات المتحدةلوقتٍ طويل من القرن العشرين، كانت المصاعد الأسرع من نصيب مدن أميركية. بعد ذلك، حلت آسيا في هذا المقام. وفيما يخص السؤال حول هيمنة الشركات اليابانية على صناعة المصاعد ذات السرعة العالية، فإن هذه المسألة مدار مناقشات ومحل جدل. وقد عزى البعض الأمر إلى التكنولوجيا الخاصة بالقطارات فائقة السرعة المعروفة باسم قطارات الطلقة أو الرصاصة، وهي القطارات التي أنشأتها شركتا هيتاشي وتوشيبا. في حين علل آخرون الأمر بإرجاعه إلى المستهلكين اليابانيين المعروف عنهم إصرارهم على ركوب المصاعد كثيراً. (وتُعد الراحة والضوضاء إلى جانب السرعة الفائقة من القضايا المعتبرة في هذا الموضوع، يُذكر أنه من الأمور المُخجلة المعروفة عن مصاعد مبنى Pan Am في نيويورك أنها كانت تُصدر صوتاً يُشبه العويل“).

ما هو مؤكد هو أن هذه المصاعد يمكن أن تُكلف مبالغ خيالية. إذ تحتاج إلى الفحص داخل أبراج ضخمة مُعدة خصيصاً. كما يجب ضغط هذه المصاعد حتى يكون صعودها السريع مريحاً. وفقاً لشركة ميتسوبيشي، فإن نحو 40 شخصاً كانوا يعملون حصراً في مصاعد برج شنغهاي. ولم تعلن ميتسوبيشي وهيتاشي عن تكلفة هذه المصاعد، لكن جيم فورشنت مستشار أميركي متخصص بتصميم المصاعد قَدَر تركيب كل مصعد بمبلغ يصل إلى نحو 3 ملايين دولار. سيكون صعباً على أي شركة مصاعد تحقيق أي ربح من تركيب تلك المصاعد الفاخرة، يقول فورتون الأمر بأكمله يتعلق.. بالمفاخرة أو الحصول على عقد صيانتهايقول العديد من صناع المصاعد أنه رغم أن تلك التكنولوجيا مثيرة للإعجاب، إلا أن السرعات الأعلى لا تخدم الغرض الحقيقي. لكن السرعات العالية قد تكون ذات قيمة كأدوات تسويق، بتحويل المصاعد لمزارات سياحية غير تقليدية. ففي صناعة لها نجاحاتها وإخفاقاتها، تكون الدعاية هامة. لم تكن المنافسة في صناعة المصاعد على أشدها قط كما هو الحال الآن.

والسبب؟ الصين.

فعلى مدى العقدين الماضيين تحولت الصين للنمط الحضري بسرعة. ولدعم الكثافة في الأماكن الحضرية، رُكبت مئات الآلاف من المصاعد والسلالم المتحركة كل عام. يوجد الآن 4 ملايين وحدة في الصين أي أكثر بأربعة مرات من عدد الوحدات في الولايات المتحدة. قبل عقد واحد بقليل، كان هناك بالكاد 700,000 مصعد. يقول المحللون إن الصين تستأثر بحوالي من 60  بالمائة إلى 80  بالمائة من عدد المنشآت الجديدة عالمياً كل عام. ولا يقارن بها أي بلد آخر. وبقية العالم قد لا يكون ملحوظاً حجم السوق فيه، لكن من في عالم المصاعد يقولون إن الصين كانت طفرة لا مثيل لها. يقول بيل جونسون رئيس شركة Kone الفنلندية في الصين منذ عام 2004، لقد عشت في وقت تاريخي للغاية بالنسبة للصين، وبالنسبة لصناعتنا، في هذا البلد، مضيفاً أشعر بأنني سعيد جداً ومحظوظ جداًلكنّ هناك شعوراً أيضاً بأن أيام مجد سوق الصين قد ولّت، والمصاعد التي سجلت أرقاماً قياسية مثل تلك المصاعد الموجودة في برج شنغهاي قد تكون إيذاناً بنهاية تلك الحقبة. تباطأ نمو الاقتصاد الصيني بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة، إذ انخفض من أكثر من 10 بالمائة ليصل إلى 6.7 بالمائة في الربع المالي الأخير. مشكلة ديون الشركات المتنامية وفقاعة القطاع العقاري التي يهابها الكثيرون ناهيك عن حرب تجارية محتملة مع الإدارة الأميركية الجديدة تضيف الكثير من المخاطر. بينما يتراجع الطلب على المصاعد الجديدة، يوجد لدى الشركات الدولية الكبرى قدرة تصنيعية أكبر مما يمكن استخدامها. ومع ذلك، الشركات المصنعة الصينية ذات التكلفة الأرخص تحارب منافساتها من الشركات الدولية ذات التكلفة الأعلى على عدد صغير من المشاريع يقل شيئاً فشيئاً.

يقول جونسون، إنها حرب لا شك في ذلك.

وفقاً لاتحاد قطاع مصاعد شنغهاي، توقّف بالفعل حوالي 5 بالمائة من مصانع المصاعد المحلية الصغيرة. الوضع صعب حتى بالنسبة للشركات الدولية. ففي سبتمبر، أعلنت شركة كوون أنها تتوقع انخفاض الطلبات الجديدة في السوق بنسبة من 5 إلى10% بحلول العام القادم. وعلى الفور تراجعت أسهمها 3.5 بالمائة. واعترفت الشركة الأميركية العملاقة أوتيس بتقليل أرباحها بالتدريج لتبقى في المنافسة.

بالنسبة للشركات اليابانية مثل ميتسوبيشي وهيتاشي، السوق الصينية حيوية بشكل خاص. إذ تفتقر هذه الشركات للبصمة الدولية التي تميز الكثير من نظرائها من الشركات الأميركية والأوروبية. وبينما برزت تلك الشركات خلال طفرة مصاعد اليابان في أواخر القرن العشرين، إلا أنها الآن تواجه ركوداً اقتصادياً وانكماشاً في عدد السكان في بلادها. لا تزال شركة هيتاشي تحاول التفوق على نصر ميتسوبيشي المفاجئ بتحقيقها سرعات قياسية. فعندما فازت بعقد المصاعد لبرج مدينة قوانغتشو المالي سي  تي إف، أصدرت هياتشي فيديو يظهر مديريها التنفيذيين وهم يعلنون بكل فخر أنهم سيكسرون الرقم القياسي. قال مشرف المبيعات في شركة هيتاشي في الفيديو، عيناي تدمعان فخراًإن لم يحققوا رقماً قياسياً جديداً، إذاً متى سيتم التغلب على الرقم القياسي الأخير؟ قالت ميتسوبيشي أنها لا تخطط لكسر رقمها القياسي في الوقت الحالي. وقالت شركة توشيبا، والتي حملت حتى وقت قريب الرقم القياسي في برج Taipei 101، أنها لن تركز على المصاعد فائقة السرعة ثانيةً. وأضاف يوشينوري إينو ممثل الاتصالات في شركة توشيبا المنافسة على السرعة قد انتهت.

لكن قد يكون هناك منافسون جدد. إذ تخطط هيونداي، شركة تصنيع المصاعد الكورية الجنوبية، لبدء اختبار مصاعد سرعتها70 كيلومترا في الساعة. وتبني شركة كاني الصينية التي تقع خارج شنغهاي، برج اختبار طوله 3.100 قدم والتي تقول أنه سيكون الأطول في العالم.

وتقول دراسة حديثة أن 62 كيلومتراً في الساعة سيكون على الأرجح الحد الأقصى قبل أن يتقيأ الركاب. والنزول لأسفل سيكون أكثر صعوبة حتى، إذ أن الذهاب لأسفل بسرعة كبيرة يجعل الجسم يظن أنه يسقط. المصاعد في كل من برج شنغهاي وبرج مدينة غوانغتشو المالي تهبط بسرعة 30 ميلاً في الساعة، مقتربة من الحدود القصوى.

الأكثر أهمية أن المصاعد الأكثر تقدماً لا تزال في حاجة لمباني كبيرة لتعمل فيها. ليس واضحاً الآن أين ستكون مثل هذه المباني. بينما يقول الكثيرون إن الهند قد تصبح في يوم ما الصين التالية، يعتقد رزق مايدي، المحلل لدى البنك الألماني بيرنبيرغ، أن ذلك لا يعدو كونه طموحاً. مضيفاً لا أظن أننا سنشهد تكراراً لطفرة الصين.

(واشنطن بوست)

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six + 7 =