طلحة جبريل حديث عن سكان الجبال والغابات والسهول والبحار والصحاري

طلحة جبريل حديث عن سكان الجبال والغابات والسهول  والبحار والصحاري

يسود إعتقاد أن التضاريس تؤثر في التوجهات العامة للناس، لذلك يقال مثلاً إن سكان الجبال أكثر ميلاً ” للثورة ” في حين من يقطنون الأحراش والغابات ينزعون نحو ” التمرد”، ومن يسكنون السهول تروقهم حياة “الاستقرار” ، ومن يوجدون قرب البحار ، يكون هاجسهم “النزوح”. ومن يعيشون في الصحراء ، يغلب عليهم “الحذر”. إلى حد ما يصح ذلك، لكنها ليست حقيقة مطلقة. 
إنتقل إلى موضوع لصيق.   كانت ثمة محاولة في الستينيات بادر بها أدباء لإيجاد هوية للأدب في “أفريقيا العربية ” . كان تلك المحاولة في واقع الأمر نتاج أسئلة مقلقة و حائرة، بشأن صياغة هوية لأدب عربي بعمق أفريقي .
آنذاك حاولت ثلة من الأدباء أن تخلق تزواجاً طبيعياً بين حالتين جغرافيتين هما في الوقت نفسه حالتين للابداع. لم يجد أولئك الأدباء كبير عناء ليقول لنا إن هذا الأدب العربي الافريقي هو ما يمثله اللقاء الطبيعي بين “الغابة والصحراء ” لذلك حاولوا الترويج لفكرة “جماع الغابة والصحراء ” كوعاء أدبي و هوية أيضاً .
في تلك الفترة كان الطيب صالح قد كتب روايته ذائعة الصيت أي “موسم الهجرة إلى الشمال “، ربما التقط أولئك الأدباء بعض الأفكار عن العلاقة بين “العروبة” كثقافة و”الأفريقية” كهوية ، أي بين الغابة والصحراء حين كتب الطيب صالح على لسان مصطفى سعيد بطل الرواية يقول ” نعم . هذا أنا وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي افريقي يمور بطفولة شريرة ” .
لكن تلك المحاولة ، أي خلق علاقة أدبية على أساس جماع ” الغابة والصحراء ” بدت غير ذات معنى في سنوات لاحقة عندما أصبح الأدب نفسه يتخلص من قيوده المحلية في كل مكان وينزع نزوعاً كونياً . 
يمكن للبيداء كركن أساسي من أركان المخيلة الأدبية أن تبقى كما هي ، وترفد الأدب العالمي بمكنوناتها ، كما يمكن ” للغابة” ان تعكس واقع حالها الإبداعي وتصبح جزءً أصيلاً من “الأدب الكوني ” .
وبالتالي يمكن أن نعد وول سونيكا النيجري واحداً من أبرز مائة كاتب في القرن العشرين ، و رواية “موسم الهجرة الشمال ” التي كتبها الطيب صالح واحدة من أبرز مائة عمل في تاريخ الإنسانية ، كما قرر ذلك الدنماركيون .
واحد “غابوي ” إذا جاز التعبير، وهو يجوز في دلالته الإبداعية ، وآخر “شبه صحراوي”ايضاً إذا جاز التعبير وهو يجوز . كلاهما يتكاملان في قارة المستقبل قارتنا جميعاً افريقيا .
أختم بفكرة حول الإبداع الأدبي من حيث هو كعمل راق يقوم به أناس سمتهم الرقي .
الإبداع في رأيي يمر من ثلاث مراحل، النقاء الذاتي للمبدع . ثم مرحلة الصورة الذهنية والاندماج معها . ثم تجسيد ذلك في صورة محسوسة . ويبدو دون تعصب أو تحيز، أن أفضل مكان للتدرج بهذه الكيفية هو بالضبط “البيداء” . 
كتب غاستون باشلار الكثير جداً عن فلسفة المكان ، و”البيداء” كمكان قادرة أن تمنحنا الكثير .
***

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six + three =