كتاب وأدباء ومبدعون أجانب إختاروا المغرب مرقداً بعد أن عاشوا فيه سنوات

كتاب وأدباء ومبدعون أجانب إختاروا المغرب مرقداً بعد أن عاشوا فيه سنوات
غواتسيلو مع ملك إسبانيا

وجد عدّة كتاب وأدباء ومبدعين أجانب وعرب في مدن مغربية عدّة، ما يصنع التحوّلات والأمزجة الرائعة للكتابة والإبداع، مستحضرين فضاءات المدن التي زاروها أو استقرّوا بها بإغرائها الأسطوري والتاريخي والثقافي حتى دفنوا في مقابرها. فضاءات لمدن كطنجة وتطوان ، والرباط (غرب)، ثم مراكش ؛ كلّها كانت حاملة لشحنة إلهامية خاصة، استقطبت كتّاب وأدباء ومبدعين أميركيين وإسبان وفرنسيين وعرب، مثل بول بولز، وتينيسي وليامز، ثم جان جنييه، وخوان غويتيصولو، وماريانو برتوتشي، إضافةً إلى الشاعر السوداني محمد الفيتوري، وغيرهم كثير.أشرقت شمس جديدة للشاعر السوداني محمد الفيتوري في الرباط؛ تحديداً جنوبها في ضاحية سيدي العابد، حيث لملم سودانه وليبياه وإسكندريته وبيروته، ومدناً رآها في اليقظة ومدناً أخرى رآها في الحلم. لقد لذّ للفيتوري المقام بالعاصمة الإدارية للمغرب، وقد يكون رأى فيها اكتشافاً جميلاً. يحكي صديقه، طلحة جبريل، الكاتب والصحافي السوداني المقيم في المغرب، أن الرّاحل محمد الفيتروري، “جاء بضعة أشهر إلى المغرب، ثم أعجبه بعد ذلك المقام فيه مع زوجته المغربية رجات أرماز، وأنجبا بنتاً سمّوها أشرقت”.”لقد أحبّ الفيتوري الرباط حبّاً لا مثيل له، وكان له فيها مكانان يفضلهما؛ مقهى (باليما) المقابل للبرلمان المغربي، ثم مقهى الأوداية (يوجد داخل قصبة تاريخية)، وبحكم صداقتنا كان يطلب مني مرافقته، لكن بشرط أن لا أتحدّث إلا إذا طلب مني ذلك”، بهذا يكمل الكاتب وصديق الشاعر الراحل، حديثه . الشاعر السوداني الراحل، صاحب “يأتي العاشقون إليك” وأعمال أخرى، “كانت له أمنية أن يعود إلى الخرطوم، لكن جواز سفره السوداني كان قد سحب منه سنوات السبعينيات، ثم قبل وفاته عادت الحكومة السودانية ومنحته جواز سفر دبلوماسياً”، بحسب ما أكده صديقه.ويقول طلحة: “عندما تدهورت صحّة الفيتوري قبل وفاته بأيّام، سألتُه وسألته زوجته؛ أين ستدفن بعد وفاتك؟ فأجاب الراحل: أرض الله واسعة وأدفن حيث أموت”. كانت تلك إذن وصية الفيتوري، التي دَافعت عنها زوجته وصديقه أمام الحكومة السودانية، ثم صدرَ بعد ذلك قرار في المغرب بأن تقام جنازة رسمية للشاعر الفيتوري في الرباط، وخُصص له مكان يليق باسمه في مقبرة الشهدا “كان لي صديق آمن بأن من لا يعرف كيف يحلم بحياته فليأت إلى طنجة”، عبارة جاءت في رواية “وجوه” للروائي المغربي محمد شكري، يلخّص من خلالها كيف استهوت مدينة البوغاز أدباء أجانب، على غرار ما فعلته مع صديقيه الأميركيين الموسيقي والروائي بول بولز، والكاتب المسرحي تينسي وليامز، ثم الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي جان جينيه. عن بول بولز بالخصوص ومدينة طنجة، يقول المترجم والناقد إبراهيم الخطيب، إنه “حلّ في طنجة، لأول مرة، في ثلاثينيات القرن الماضي، نزولاً عند نصيحة جيرترود ستاين التي سبق لها أن زارت المدينة، وأعجبت بمناخها”. بولز كانت زيارته عابرة آنئذ، “لكن مجيئه للإقامة في طنجة، إنما حدث في أواسط الأربعينيات، قبل أن تلتحق به زوجته جين آور-بولز، فتنقّل الزوجان بين عدّة مساكن في المدينة القديمة، إلى أن استقرّ بهم المقام على هضبة مرشان”، يضيف مترجم كتاب “يوميات طنجة” لبول بولز، في حديثٍ لـ”هاف بوست عربي”. لكن فلنسأل كما فعل صديقه الروائي محمد شكري؛ ما الذي أبقى بولز في طنجة بقية عمره؟ يجيب شكري في كتابه “بول بولز وعزلة طنجة”: “كل ما نعلمه هو أن بقاءه فيها لم يفسره أو لم يبح به بمعنى محدّد وصريح”. غير أن الموسيقي والروائي الأميركي، جاء إلى طنجة وأقام بها ليحقّق حلمه، كما نقل عبد العزيز جدير، في كتابه: “الحوار الأخير/ بول بولز-شكري”، حين قال: “فالسفر، ومعرفة الناس والتواصل معهم.. والمغرب وطنجة كل ذلك ساعدني على تحقيق هذا الحلم الذي تحدّثت عنه في سيرتي الذاتية من دون توقف”. الغرباء إذن أتوا إلى طنجة، وابن بطوطة اغترب عنها، جاؤوا ليكتشفوا العالم وهو ذهب عنها ليكتشف مدينة في عالم. ربما هذا بالضبط ما فعله الكاتب الفرنسي جان جينيه، الذي أقام في فندق المنزه بالقرب من المدينة القديمة في طنجة. الرجل أبدى وجَلاً في البداية من هذه المدينة، وصرّح بأن مُدناً في آسيا أجمل منها، وتحاشى ذات حديث مع محمد شكري، أن يُدخل المدينة في الوصف لرهبتها عليه، كما جاء في كتاب: “جان جينيه في طنجة – تينسي وليامز في طنجة”، الذي دوّن فيه محمد شكري لقاءاته بالكاتبين الفرنسي والأميركي. كن في النهاية، لم يختر جينيه لحداً في بلده ولا في تلك المدن الآسيوية الجميلة، أراد طنجة فدفن في العرائش (شمال) قريباً منها. إلى جانب قبر جينيه، شاءت الأقدار أيضاً، أن يدفن أحد أصدقائه وتلامذته، الذي عاش في المغرب وكان مستقراً في مدينة مراكش؛ إنه الأديب والكاتب الإسباني، خوان غويتيصولو.
في المدينة الحمراء (لقب مراكش)، “لم يكن يعتبره المراكشيون من خارج هذه المدينة، بل يعتبرونه ابن جامع الفنا، إذ كانت له علاقات كبيرة جداً مع أبناء الشعب، وكان يشرب عادة قهوته مع أناس عاديين، ويسمع إلى نبض الشارع”، يوضح محمد شويكة، القاص والناقد الأدبي والسينمائي. يضيف صاحب “الحب الحافي”، في حديثٍ لـ”هاف بوست عربي”، بأن غويتيصولو كان مرتبطاً بمراكش وبجامع الفنا أساساً، إذ كان “دائماً ما يتطلّع إلى ما يتغيّر حوله في جامع الفنا؛ خصوصاً فيما يتعلق بالفن الشعبي، الذي كان يقول بضرورة الحفاظ عليه كتراث لا مادي”. ويضيف محمد شويكة: “من هذا المنطلق، دافع خوان غويتيصولو عن ساحة جامع الفنا كتراث إنساني، وأقنع اليونيسكو أن تصنفها تراثاً شفوياً للإنسانية، الذي تمّ اعتماد طلبه رسمياً في 2002”. هي ساحة يمكنها، -بحسب الناقد والقاص والسينمائي- دائماً، “أن تعطي تدفقاً متجدّداً للإنسانية كما رآها غويتيصولو؛ هذا الإسباني العميق الذي ليس له انتماء ضيّق للوطن، والذي جاء حاملاً لروح التثاقف المتوسطية، التي ألهمته في كتاباته الروائية أو حتى في دراساته”.للأسف خوان غويتيصولو، “لم تستوعبه مراكش بتعقيداتها الإدارية في مماته، فدفن هذا الذي استلهم مدينة السبعة رجال خارجها في العرائش”، يختم محمد شويكة، القاص والناقد الأدبي والسينمائي حديثه.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − fourteen =