طلحة جبريل يكتب عن “الصحافي” عندما يوجد وسط الشرطة والمتظاهرين

طلحة جبريل يكتب عن “الصحافي” عندما يوجد وسط الشرطة والمتظاهرين

يفقد الصحافي نفسه ومهنته، عندما يفقد “الحياد والموضوعية والدقة والنزاهة”. إذا كان الصحافي يوجد على سبيل المثال في قلب مظاهرة ، تطلق فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ويرشق فيها المتظاهرون رجال الأمن بالحجارة، في هذه الحالة لا بد أن يكون في “الوسط” مكاناً ، وفي الكتابة حياداً. لا يهم بعدها أن ترضى عنه الشرطة أو المتظاهرون، أو يتلقى ضربة هراوة من شرطي وحجراً من متظاهر .أما الموضوعية فتقتضي استعمال لغة لا تقبل أي تأويل . من هذه النقطة أقفز إلى ما أصبح يعرف في لغة الإعلام الحديث “دفن الحقائق في معاني الكلمات”. هذا “اجتهاد” في مجال الإعلام أقرب ما يكون إلى “النظرية”. هذا “الاجتهاد” جربه الاميركيون أثناء حرب العراق. وهو يقضي بالبحث عن مفردات لغوية تستعمل لتوصيف حالة معينة، بشرط ألا تقول شيئاً وفي الوقت نفسه لا تكذب.

كنت التقيت خبيراً اعلامياً اميركياً عمل في العراق. كانت مهمته “دفن الحقائق في المعاني” إذا لم تتوفر معلومات كافية حول واقعة معينة أو إذا كانت القوات الأمريكية لا ترغب في كشف تفاصيل ترى انها يجب أن تبقى طي الكتمان. يقول الخبير”أحياناً تكون هناك عملية عسكرية جارية، لكن لا نرغب في كشف اي تفاصيل فإن دفن الحقائق في المعاني يكون مهماً جداً لذلك ننصح العسكريين الذين يتعاملون مع وسائل الاعلام اللجوء إلى هذا الأسلوب كأن يقول المتحدث العسكري ” نحن نحرص على سلامة قواتنا و سنزودكم بالتفاصيل بمجرد ان تتوفر لدينا معطيات”. سمعت منه كذلك أنه يحدث أثناء لقاء صحافي طرح أسئلة محرجة على متحدث عسكري،وهو يشعرنا بعدة وسائل، منها الضغط على زر صغير جداً مثبت على سترته بما يعني انه لا يملك جواباً، عندئذٍ نزوده على الفور بجملة ” تدفن الحقائق في المعاني” وفي بعض الاحيان يكون ذلك أمام المراسلين الذين يعتقدون ان المتحدث تلقى معلومات اضافية للاجابة على اسئلتهم.

من أشهر عمليات” دفن الحقائق في المعاني” التعبير الذي أستعملته إدارة جورج بوش لتقنين ” التعذيب”، حيث دعت المذكرة التي كانت تعرف باسم “مذكرة التعذيب” ، إلى استعمال ” “تقنيات استجواب قاسية”مع المعتقلين في غوانتانامو. التي تعني استعمال أبشع أنواع التعذيب ومن ذلك عملية الإيهام باغراق المعتقل إلى أن يقترب من حافة الموت. لكن أركان إدارة بوش كانوا يقولون إنهم لم يقننوا التعذيب،لأن الكلمة نفسها لم تستعمل، بل دفنت في معاني كلمات أخرى. في منطقتنا لا نحتاج إلى “دفن الحقائق في المعاني”. لذلك أختم بما قرأته لأحد المتحدثين “الرسميين” في ليبيا في معرض التبرير اعتقال مهاجرين أفارقة بينهم نساء اثيوبيات يقول المتحدث لافض فوه “السلطات لا تعتقل مهاجرين بل هؤلاء يطلبون حمايتهم من الاعتداءات التي يتعرضون لها ويقترحون وضعهم في أمكنة آمنة”.

للتوضيح .. “الأمكنة الآمنة” هي سجن بضواحي طرابلس.

***

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve + 2 =