هكذا تستعد عروس داعش اللبنانية للرحيل عن “دولة الخلافة”

هكذا تستعد عروس داعش اللبنانية للرحيل عن “دولة الخلافة”

يترك المقاتلون المنتمون إلى تنظيم داعش حين انسحابهم، عبواتٍ ناسفة يدوية الصُنع وقنّاصاً لحراسة الجهة الخلفية؛ في محاولةٍ منهم لتعزيز سيطرتهم على أراضيهم التي تنكمش باستمرار، في ظل التهديد الدائم من الغارات الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. يحارب معظمهم حتى الموت، ويقُبَض على البعض الآخر، ولكن جميعهم تقريباً يتركون عرائسهم وأطفالهم. “لا، يا أبو بكر، دعها وحدها!”. هكذا صاحت اللبنانية نور، (20 عاماً)، في ابنها البالغ من العُمر 5 سنوات عندما حاول الاقتراب للتربيت على دجاجة تحاصرها الصفائح المملوءة بالمياه في أحد أركان الغرفة الدافئة المتسخة، وهي واحدة من 3 غرف تقيم فيهن عرائس داعش وأطفالهن بمخيم النازحين في بلدة عين عيسى، والتي تبعد 45 ميلاً (72 كيلومتراً) عن شمال مدينة الرقة. تجهَّم الطفل الأكبر بين أخوته الأربعة، والذين سيصبحون خمسةً قريباً، لأنَّ نور حامل حالياً، ولكنَّه فعل ما أُمِرَ به. وتوضح نور أنَّ ابنها قد سُمِّيَ تيمناً اسم أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، قبل توضيح سبب وجود الدجاج في المكان. قالت ويبدو عليها السرور: “سأعود إلى وطني في غضون يومين، وربما سنعدّ الدجاج للاحتفال”،  وقالت صديقتها السورية فاطمة، ذات النمش والرموش الجميلة المزيَّنة، مازحةً وهي تسحب إصبعها أمام رقبتها المُغطاة بحجاب في حركةٍ تحاكي الذبح: “دعونا نذبحها على الطريقة الداعشية”، وعندها لم تتمكن نور من التوقف عن الضحك واحتضان بطنها المرتفع من شدة الضحك. تبدو نور أصغر بكثير من سنّها. مع أنَّه من المتوقع لفتاةٍ تزوجت وهي تبلغ من العمر 14 عاماً وعاشت حياتها بعد ذلك في عاصمة خلافة تنظيم داعش 3 أعوام، أن تبدو بمظهر أكبر بكثير من عُمرها الحقيقي. ولا يتوافق شعورها بالابتهاج مع بشاعة مخيم النازحين داخلياً على الإطلاق الذي تعيش به، أو بالتجارب التي شكََلت حياتها حتى الآن، ولكن قد يكون ذلك ربما بسبب معرفتها بأخبارٍ سارَّة؛ إذ قال جيلاد، زعيم المخيم، يوم الخميس 14 سبتمبر ، إنَّ والد نور قد تمكن من ترتيب طريقة لرحيل ابنته وأحفاده لينضموا إلى عائلتهم على الناحية الأخرى من الحدود اللبنانية. يجعل هذا نور أوفر حظاً من رفيقاتها الـ15 الأخريات من عرائس التنظيم، واللاتي قرر المسؤولون عن مخيم عين عيسى فصلهن عن باقي النازحين المقيمين بالمخيم، ووضعهن في مجمَّعٍ صغير يمكن الدخول إليه من المكتب الرئيسي.

وفي الغرفة التي كانت بها نور، وُضعت طاولة نزهات بلاستيكية وفوقها تتراكم عالياً الحفاضات واللوازم الأخرى الخاصة بالأطفال، ومفارش رقيقة للجلوس والنوم فقط. ينام طفلٌ صغير للغاية على واحد من تلك المفارش بجوار نور، بينما يلعب الأطفال الأكبر ويتشاجرون فوقه تقريباً. وبالخارج، في الممر المكشوف، تعم حالة أشد من الفوضى؛ إذ تعيش 16 سيدة مع أطفالهن، الذين يبلغ عددهم 32، جميعاً في 3 غرف فقط وساحة خرسانية صغيرة. وهي حارة ومتسخة ويسودها الضوضاء لصراخ النساء بعضهن في بعض وفي أطفالهن. توجد أجنبياتٌ كذلك بينهن، منهن امرأةٌ تركية شقراء ذات شعرٍ مائل إلى الأحمر، وفتاة وصلت حديثاً تعود أصولها إلى هولندا. وتُمرِّض امرأةٌ ذات عيونٍ زرقاء طفلها النصف إندونيسي؛ يمكن أن يشكل هذا الخليط من اللغات والأعراق ملصقاً رائعاً عن التنوع إن لم يكن عن الفقر الشديد، الناتج عن التجربة المريرة التي مروا بها. وتحكي معظم النساء القصة نفسها: لم تكن الخلافة كما تصورنها. تزعم الزوجات أنَّ أزواجهن خدعوهن للانتقال إلى سوريا، وإلا فسيضللن أنفسهن. ودون أوراق أو إثباتات أو محاكمة عن جُرمٍ واضح، وجدت النساء الأجنبيات بالأخص أنفسهن في ثغرةٍ قانونية بلا جنسية، محبوساتٍ ضد إرادتهن. وتمكنت إحدى الحالات المثيرة للفضول، وهي مواطنة فرنسية مغربية، من مغادرة المخيم في الأسبوع الماضي. ربما أنقذتها السفارة الفرنسية، ولكن يبدو ذلك الاحتمال مستبعَداً، إذ تتوقع فرنسا أن تخضع عضوات داعش الفرنسيات اللاتي قُبِضَ عليهن في أثناء معركة الموصل للمحاكمة بالعراق بدلاً من ترحيلهن إلى موطنهن. وتعتقد معظم الباقيات منهن أنَّه انتهى بها الحال محتجزةً في مكان آخر ما. ولا تختلف نور من مدينة طرابلس في شمال لبنان عن أخواتها الجدد، فيما عدا أنَّها ربما ستعود إلى موطنها بالفعل. وشكت وهي تجدل شعرها السميك البني فاتح اللون ثم تفك جدائله وتجدله مرةً أخرى، قائلةً: “كنتُ أبلغ من العمر 17 عاماً فحسب عندما جئتُ إلى هنا، كنتُ طفلة. ماذا كنتُ أعلم حينها؟!”. وقالت نور إنَّ الانتقال إلى سوريا كان فكرة زوجها الأول الراحل؛ إذ كان يقاتل في عام 2015، وعند الضغط عليها، قالت إنَّها لم تحزن لوفاته. وبما أنَّ تنظيم داعش لا يتسامح مع فكرة العزوبية أو الترمُّل للنساء اللاتي لديهن أطفال، ويضغط عليهن للزواج مرة أخرى، تزوجت نور سريعاً زوجها الثاني، وكان تونسياً. قتل زوجها وهو يدافع عن دولة التنظيم التي تتفسخ حالياً. ومع أنَّه والد أصغر أطفالها، والطفل الآخر الذي تحمله في رحمها، لا تشير إليه نور إلا باسم “التونسي”، وضحكت عندما سُئِلت عمَّا إذا كانت تكنّ له أية مشاعر على الإطلاق. جاوبت: “خلاص”، مما يعني أنَّ الأمر انتهى تماماً. “ماذا يهم في ذلك؟ فهو متوفٍّ الآن، وسأعود إلى موطني”. لم تكن نور واضحةً فيما يتعلق بتفاصيل الطريقة التي تمكنت بها عائلتها من تأمين طريق عودتها. ويبدو أنَّها لا تفهم حقاً ماذا يجري، فيما عدا تمكُّن والدها بطريقةٍ ما من العثور على طريقٍ آمن عبر الأراضي التي تقع تحت سيطرة رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى لبنان، أو عبر المناطق التي سيطر الأكراد عليها في شمال سوريا إلى الحدود العراقية. ولم يُسمع عن هذا الترتيب، على الرغم من تأكيد مدير المخيم ما يجري. ويبقى أن نرى ما إذا كانت تلك الصفقة ستنجح أم لا. قلتُ لها وأنا أدسُّ ورقةً بها اسم والدها وعنوانه في جيب قميصي: “سأراكِ في بيروت”. صفقت نور بيديها بحماسة، قائلةً: “نعم! مثل حكام برنامج أراب آيدول. يقولون ذلك في النهاية عندما ينتقل المتسابق إلى الجولة التالية. يعلم الله أنني اشتقت إلى التلفزيون”. وتابعت بعد برهة: “ولوالدي وإخوتي. ربما كان عليَّ أن أقول إنَّني اشتقت إليهم كثيراً أولاً”.

(هاف بوست)

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 9 =