طلحة جبريل يكتب عن  حاضر وماضي حي ‫أكدال الذي كان

طلحة جبريل يكتب عن  حاضر وماضي حي ‫أكدال الذي كان

قبل سنوات كان أكدال في وسط الرباط قبل أن تتمدد المدينة وتتوسع.

كان أكدال حي الطبقة المتوسطة و المتعلمة وبعض الأوروبيين. كان أيامئذ قلب العاصمة النابض. حي جميل نظيف أنيق.

لم تكن هناك بنايات ، كما هو حاله الآن ، بل فيلات ودور صغيرة ، وحدائق مخضرة .

كان التمشي في شوارعه يجعل الروح ترفرف ، والركض بين أطرافه صحة وجمال، والتسوق في سوقه وحوانيته متعة. كانت مكتباته تبيع كتباً من ثمرات المطابع في الفكر والسياسة والقانون والفن.

كان ناس الحي وزواره يجدون في سوقه الصغير، ما لا تجده في الأسواق الكبيرة. الخضر والفواكه والأسماك واللحوم الطازجة ، و طيور الزينة وتلك التي تغرد و تشقشق في كل الأوقات ، وزهور القرنفل والأقحوان، والنساء الأوربيات البدينات والرشيقات اللائي يتسوقن على مهل.

صباحاته مبهجة، نهاراته جميلة صيفاً وخريفاً وشتاء .

كانت به سينما تقدم أفلام الزمن الجميل، من ” السبعة العظماء” بطولة يول برينر وتشارلز برونسون، مرورا بفيلم ” الهروب الكبير ” بطولة ستيف ماكوين، إلى “صوت الموسيقى ” الذي تألقت فيه جولي أندروز إلى جانب كريستوفر بلامر .

كنا نعبر الحي الأنيق في الطريق إلى الكلية، أو من هناك إلى الحي .

كنا مشائين في حي تسير فيه السيارات في هدوء ونظام وإنتظام .

كان حي أكدال فيه كل مظاهر التفرد.

كان أحد أكثر الأحياء هدوءً وتوادداً، يعرف فيه كل الناس كل صباح ماذا فعل فيه الآخرون طوال الليل.

كل ذلك إندثر.

لم يعد أكدال هو أكدال .

بل تحول إلى شوارع وأزقة مزدحمة فيها الكثير من الضجيج والصياح.

اندثرت الأشياء الجميلة ثمة بقايا عاملها الزمن بقسوة، من ذلك دور مهجورة يسكنها متشردون.

بات الحي الذي تكدس حتى فاض ، قبلة لشرائح البروليتاريا الرثة .

تسكع وتسول وتحرش وعراك ومشاجرات وعدد لا يحصى من القطط الضالة، والأشخاص الذين يبحثون عن كسرة خبز في المزابل.

باعة متجولون تركوا التجول . كثيرون يبيعون مناديل الورق الصغيرة ، حتى لتخال أن المدينة كلها أصيبت بالزكام.

أبواق السيارات عالية. دراجات نارية مزعجة ومنفرة تحدث هديراً. تلوث سمعي في كل مكان.

في يوم ما، في زمن ما، كان أكدال هو الدور الصغيرة الأنيقة ومساحات خضراء ينبت فيها العشب برذاذ المطر. بيد أن الزمان يدور. دار الزمان دورته، وأضحى أكدال بنايات تجاور بنايات. أصبح غابة أسمنت.

رحل كثيرون وجاء كثيرون. بعض سكانه نزحوا إلى “الرياض”.

آخرون غادروا إلى “تمارة” المدينة الصغيرة التي تنمو نمواً عشوائياً.

المقاهي في أكدال التهمت المتاجر. الشوارع ضاقت. ساحات العشب تقلصت. المصحات تكاثرت.

أكدال صار حياً فقد هويته. الأحياء التي تفقد هويتها ، تفقد ناسها أيضاً.

ثمة شوارع مزدحمة.لافتات كثيرة في واجهات البنايات، معظمها لأطباء .

هل الناس مرضى إلى هذا الحد.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty + 6 =