كيف تحولت الماسي الإنسانية و المعاناة البشرية إلى بضاعة

كيف تحولت الماسي الإنسانية و المعاناة البشرية إلى بضاعة

شهدت الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي صعود الصناعة الثقافية والإعلامية، والمقصود بها المنتجات التي تبَث جماهيرياً عبر الراديو والتلفاز والسينما والمجلات والكتب والتي تكون موجهة للجماهير. وقد حاولت بعض الدول الهيمنة على هذه الصناعة؛ للتلاعب بعقول الجماهير لخدمة مصالحها الاقتصاديّة والسياسية، وتبعتها باقي بلدان العالم. ومع دخولنا الألفية الثالثة، نشأ مفهوم أشدّ تأثيراً، يُعرف باسم ” ما بعد الحقيقة”، وهي مجموعة من التقنيات السياسية والثقافية المستخدمة للتلاعب بمفهوم الحقيقة، عبر بث معلومات ومعطيات وتحليلات، الهدف منها هو إقناع الأفراد بشكل محدد للعالم وعلاقاته؛ إذ لا يهم ما هو حقيقي أم لا؛ بل ما يهم هو أن يكون منطقياً وموجهاً لخدمة مصالح فئة ما. فيما يلي بعض الخصائص والآليات التي تتبعها وسائل الإعلام والبث الجماهيري للتلاعب بعقولنا وتشكيل حقائق ليست واقعية؛ بل مصنَّعة لخدمة السلطة والأنظمة الاقتصاديّة.حيث توظف وسائل الإعلام والصناعة الثقافية لتحقيق أهدافها ما يسمى “الثقافة الجماهيرية”، وهي مجموعة المنتجات التي لا تعرف جمهوراً محدداً؛ بل تتبنى مجموعة من الخصائص البسيطة والسطحية والتي ترضي أذواق الجميع وتنشرها ليتم مشاهدتها. هذه المنتجات تبدو للوهلة الأولى للتسلية وتقطيع أوقات الفراغ، لكنها حقيقة تساهم في خلق السلوكيات وتمكين الأفكار التي تخدم مصالح هذه الصناعة لا المصالح الشخصيّة للأفراد، المثال الأوضح لها: أفلام البروباغاندا إلى جانب الأفلام block busters وتقنيات التسويق الخفية فيها أو الهيمنة السياسيّة. المثال المعاصر لها: أفلام الأبطال الخارقين وما تروج له من قيم التفوق الأميركي، وخصوصاً “سوبر مان” وأيرون مان”؛ لكونهما يمثلان البطل الأميركي الذي ينقذ العالم، سواء بقواه الخارقة أو بقوة العلم.والعنصر الآخر الذي تستخدمه وسائل الإعلام هو صناعة النماذج، أي الشخصيات التي يمكن أن نراها متفوقة أو العكس، بوصفها نماذج تحوي خصائص فائقة، وقد يبدو الأمر في البداية سهل التمييز، كصناعة النجوم والمشاهير وغيرها عبر برامج المسابقات أو تلفزيون الواقع. لكن الأخطر يكون في صناع النمادج الأخرى كنموذج المقاتل أو الجهادي أو حتى الضحية. وتكمن خطورة النموذج في أنه مصطنع وضمن شروط مثالية مفبركة خصيصاً له، وهي التي نراها كثيراً في قصص المشاهير والبرامج المرتبطة أو تحويل الأفراد إلى عينات يمكن للمشاهير أن يحسّنوا حياتهم. هذه الحالة مرتبطة بالعنصرين السابقين، وخصوصاً صناعة النموذج، فأنماط السلوك التي تروج لها وسائل الإعلام والصناعة الثقافية توهم المرء بأنه سيغير حياته العادية المُهيمَن عليها من قِبل الماكينة الاقتصاديّة للوصول إلى الراحة وعدم العمل، والتي تتمثل بدفعه لشراء واستهلاك منتجات لا يريدها؛ كي يتشبه بتلك النماذج التي لا تعمل ولا تنتج؛ بل تعيش تخت الأضواء. هذا الوهم خطر؛ لكونه يدفع الفرد لإهدار حياته في الشراء وتجميع النقود والاستهلاك؛ ظناً منه أن ذلك يحمل سعادته، كحالة الإعلانات ومن يشتري على أساس الفوز بجائزة ما.ما تقوم به وسائل الاعلام  والترفيه أيضاً هو القضاء على التفكير النقدي فيما يخص الفرد وحياته، فهو يتورط في عوالم الشاشات المثالية والأفراد المصطنعين على الشاشة، ولا يفكر في حقيقة ما يفعله والاستغلال الذي يعيش فيه، كأن يعمل 16 ساعة يومياً ثم يرتاح يوماً واحداً ليشاهد فيلماً. هذا الفيلم يحمل في داخله تسليه لكن هيمنة أيضاً؛ لكون هذه الصناعة لا تعرض الترفيه إلا في أقوات الراحة من العمل وتملأها بأشكال من الترفيه ترسخ قيم الاستهلاك؛ ليعمل الفرد أكثر ويشتري أكثر، بحيث يتحول الفرد إلى وسيلة للإنتاج لا ليحيا ككائن حرّ. تعمل الثقافة الجماهيرية والصناعة الثقافية على استبدال الثقافة الشعبية المرتبطة بالخصائص الاجتماعيّة والتاريخي لفئة ما، واستبدالها بأخرى ، بحيث تدفع الأفراد إلى تبني سلوكيات لا تنتمي إلى محيطهم وليست وليدة التطور التاريخي. في البداية، قد يبدو ذلك جيداً ووسيلة للتطور، إلا أن هذه السلوكيات المصنّعة تطرح تساؤلات عن مفهوم الهويّة وكيف يمكن أن يتلاشى في حال تمكنت الثقافة الجماهيرية من استبدال الشعبيّة. فالمنتجات التي تتبنى هذه الأشكال الثقافية الجماهيرية يتم تصريفها عبر وسائل تنتمي إلى صنّاع الثقافة الجماهيريّة ذاتها كالنشر عبر فيسبوك أو يوتيوب، ما يجعلها مُنتجاً اقتصادياً، وعناصرها الجمالية والسياسية مرتبطة بأذواق الجماهير ومعايير المؤسسة المنتجة والناشرة لا معالم الثقافة الشعبيّة وخصائصها المميزة. هذه التقنية مرتبطة بتقنية صناعة الأخبار والتقارير في وسائل الإعلام وكذلك تقنيات نشر المعلومات على الانترنت والتي يتم عبرها اختزال التجربة الإنسانية إلى بضع دقائق أو سطور ضمن صيغة خبر أو تقرير. وتكمن  خطورتها في أنها تحول المعاناة الإنسانية أو الفرحة الإنسانية إلى منتج قابل للتبادل والنشر، وقيمته تكون بقدر ما يشاهده الأفراد ويتبادلونه لا بقدر المعاناة (أو الفرحة) التي يعيشها الأفراد. ويمكن استبدالهم والتلاعب بحيواتهم فيما يناسب الخبر وما يناسب التبادل والجمهور المحدد والمراد التأثير به، عبر دراسة خصائصه وسلوكياته بهدف أَسر انتباهه؛ لتتحول خصائص الأفراد المراد عرضهم على الشاشة إلى منتج للاستعراض، ولتتلاشى حياتهم ما قبل وما بعد ظهورهم على الشاشة.

(هاف بوست)

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × one =