تحويل ورزازات عاصمة للسينما في المغرب ..فكرة أطلقها الحسن الثاني

تحويل ورزازات عاصمة للسينما في المغرب ..فكرة أطلقها الحسن الثاني

 عندما تلوح القدس لك ووراءها جبال شاهقة، ولا ترى أثراً لقوات احتلال أو حواجز أمنية، ربما تكون بعيداً جداً عن فلسطين.
زوار هذا المكان يظهر أمامهم سراب وهم ينحدرون من جبال أطلس إلى الأسفل، ثم تلوح الجدران الحجرية المُتداخِلة لمدينة القدس في القرون الوسطى في الأفق، وسط الضباب الناجم عن الحرارة التي تتصاعد من الرمال.
ومع الاقتراب قليلاً يتضح أن ساحة المدينة القديمة، التي تبدو واقعية على نحو مُبهِر، هي في الحقيقة جدران من الجبس، حيث موقع تصوير فيلم “مملكة الجنة” للمخرج ريدلي سكوت في العام 2005. ويلتصق في خلفية الحائط بوابة أثرية ظهرت في سلسلة تلفزيونية عالمية. 
مرحباً بكم في مدينة ورزازات، بوابة الصحراء الكبرى وعاصمة صناعة الأفلام في المغرب. 
ويوجد موقع تصوير الأفلام ذو الطابع القدسي في الساحة المحيطة باستوديوهات أطلس التي تعد الأكبر في العالم من حيث المساحة.
وهو واحد من استديوهين أُسِّسا بصورةٍ جيدة في المدينة، وشاهد على نجاح ورزازات والمغرب في اجتذاب صُنَّاع الأفلام.
يقول صارم الفاسي الفهري، مدير المركز السينمائي، المعني بتنظيم والترويج لصناعة الأفلام، إن المغرب جنى العام الماضي 2016 ما يُقدَّر بنحو 33 مليون يورو  من إنتاج الأفلام الأجنبية والتلفزيونية. 
واقترنت قدرة المغرب بالبروز بين جميع مواقع التصوير في الشرق الأوسط تقريباً، بوجود فنيين مؤهلين تأهيلاً عالياً، ونظام تصاريح مُبسَّط وتكلفة زهيدة ساعدت جميعها في الحفاظ على جاذبيتها لدى صانعي الأفلام.
وفي الوقت ذاته تعاني معظم الدول الأخرى من عدم استقرار إلى حدٍّ كبير، يحول دون تصوير الأفلام.
وأضاف الفهري “على مدار قرنٍ تقريباً، كان الأشخاص يأتون من الخارج لتصوير أفلام هنا في المغرب، يأتون من أجل مواقع التصوير، يأتون لأننا دولةٌ مستقرة، نحن قريبون نسبياً من أوروبا ونتمتَّع بالخبرة”. 
ساعدت مدينة ورزازات، التي تقع على بُعدِ 200 كم جنوب شرق مراكش، في تحقيق هذا النجاح. وتمتَّعت المدينة، التي كانت ثكنةً عسكرية في السابق وتضم قلعةً ضخمة وستاراً خلفياً من سلسلة جبال هائلة، بعلاقةٍ غراميةٍ طويلةِ الأمد مع مجال صناعة الأفلام. 
صُوِّرَت في المدينة مشاهد من فيلم “لورانس العرب” الذي يعود لعام 1962، وأخرجه ديفيد لين. كما كان المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي صوَّر فيلمه “ريكس” في الصحراء المحيطة بالمدينة عام 1966، أحد صُنَّاع الأفلام الإيطاليين الذين استخدموا مواقع التصوير الصحراوية في المدينة لإخراج أفلام تاريخية حقَّقَت نجاحاً باهراً. 
ومَثَّل تصوير فيلم “ريكس” لبازوليني لحظةً فارقةً بالنسبة للمدينة ولصناعة الأفلام في المغرب ككل. وكان سهيل بن بركة أحد مساعدي المخرج الإيطالي، وهو مخرجٌ مغربي صغير السن كان يقيم حينئذٍ في روما، حيث دَرَسَ الإخراج السينمائي جنباً إلى جنبٍ مع المخرج الإيطالي برناردو بيرتولوتشي. 
وساعد بن بركة المخرج الإيطالي في اختيار مواقع التصوير في ورزازات، ويتندر كونه الشخص الوحيد في موقع التصوير الذي كان بمقدوره فهم جميع اللغات التي تُستَخدَم أثناء التصوير.
ويتذكَّر بن بركة ما حدث حينئذٍ قائلاً: “استغرق الأمر يومين ليتمكَّن فريق التمثيل وطاقم العمل من السفر إلى هناك، ولم يكن هناك سوى مسكن بدائي للغاية”. وتابع: “لكن بازوليني رأى أنه رائعٌ للغاية. المناظر الطبيعية جنَّةٌ بالنسبة لصناعة السينما”.
مضى بن بركة في طريقه ليصبح مخرجاً يُشاد به، وفي عام 1986 طَلَبَ منه الملك حسن الثاني أن يشغل منصب مدير المركز السينمائي المغربي. 
ويقول بن بركة إن رعاية الملك كانت مَصِيريَّة في تطوير مجال صناعة الأفلام. وأضاف: “الملك كان مولعاً بالسينما. كانت لديه مكتبة أفلام وسينما في منزله”. وتابع: “سألني كيف يمكنني تطوير السينما في المغرب، وقلت له إننا بحاجة إلى مطار في ورزازات. وبعد ذلك بعام جرى بناؤه وكانت هناك رحلات يومية من الدار البيضاء”.
ساعدت صلات بن بركة بمجال صناعة الأفلام في إيطاليا في جلب المنتجين والمخرجين إلى المغرب.
ولمَحَ بن بركة فرصةً لزيادة الإنتاجات الأميركية عندما رفضت السلطات الإيطالية واليونانية منح تصريح للمخرج الأميركي مارتن سكورسيزي لتصوير فيلمه التوراتي المثير للجدل  “الإغراء الأخير للمسيح” والذي منع عرضه في عدة بلاد أوروبية، وقدم مخرجه للمحاكمة في روما.
وأعطى بن بركة سكورسيزي تصريحاً للتصوير في المغرب، وأصبح المخرج الأميركي زائراً دائماً للبلد. وجرى تصوير مشاهد كثيرة من فيلمه “كودن”، وهو فيلم ملحمي يتناول السيرة الذاتية للدالاي لاما، في ورزازات. 

يتذكَّر بن بركة الأشواط الطويلة التي قطعها من أجل عملِ المخرج الأميركي قائلاً وهو يواري ضحكته: “لم يكن بمقدرونا استخدام المحليين ككمبارس لأنهم لم يبدو مثل أبناء التبت، لذلك نقلنا 400 قروي من شمال الهند على متنِ طائرةٍ تابعةٍ لآير فرانس بدون جوازات سفر، لا يمكننا فعل ذلك اليوم”.
ولا يزال النموذج الضخم للمعبد البوذي الذي استُخدِمَ في الفيلم  قائماً في المنطقة المحيطة باستوديوهات أطلس. وخارج الاستوديو، في ضوء الصحراء شديد التوهُّج تقبع نسخةٌ مطابقةٌ لطائرةٍ مُقاتِلةٍ استُخدِمَت في إنتاج فيلم “جوهرة النيل“ عام 1984. وإضافة إلى ذلك، توجد نسخةٌ طبق الأصل من السجن القائم أسفل الكولوسيوم (المدرج الفلافي) بروما، الذي استُخدِمَ في تصوير الملحمة السينمائية “قلاديتور” للمخرج ريدلي سكوت.
تقول غيتا التازي، نائبة المدير العام لقسم الأفلام في شركة سنام القابضة، التي تمتلك الاستوديو: “ورزازات مازالت تحيا بفضل الأفلام، لقد عمل معظم سكانها ككومبارس والعديد من الأعمال التجارية المحلية تخدم على هذه الصناعة، فأعداد الحرفيين تتضاعف للعمل في بناء مواقع التصوير، وكذلك الخياطون الذين يعملون في إعداد الأزياء”. 
يمكن حتى للسُّيَّاح البقاء في فندق داخل استوديو التصوير، عندما لا يكون محجوزاً بالكامل لأطقم فيلمٍ أو مسلسلٍ تلفزيوني. 
وتضحك غيتا قائلة: “في الأسبوع الماضي كان لدينا 100 كومبارس يتجوَّلون في جميع أنحاء الفندق، مرتدين زي قدماء المصريين، في خضم تصوير إعلان تجاري”، مضيفةً: “السياح كانوا مُرتَبكين قليلاً”.
ويقول فؤاد شالا، وهو منتجُ أفلامٍ في مراكش، إن سهولة إنجاز الأعمال في أماكن مثل ورزازات حافظت على جذب المغرب للمنتجين الأجانب، مضيفاً أن أي “مخرج تصوير فوتوغرافي أو منتج أجنبي سيجد هنا ما لديه في بلده. ولدينا أيضاً القدرة التقنية على استنساخ الظروف الموجودة في أماكن أخرى”.ومع زيادة المنافسة في سوق إنتاج الأفلام، يعمل صارم الفاسي الفهري على إصلاح لوائح الصناعة وإقرار تخفيض جديد بنسبة 20%، من المُتوقَّع أن يبدأ في وقتٍ لاحق من هذا العام 2017. ويأمل في أن يعطي هذا الحافز المغرب ميزةً على منافسيه، ويُضاعِف إنتاج الإنتاجات الأجنبية ثلاثة أضعاف. ويقول: “2017 كان عاماً جيداً، لكن يمكننا أن نفعل ما هو أفضل”.
(فايننشيال تايمز)

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + seventeen =