طلحة جبريل يكتب عن الدارالبيضاء ..المدينة العصية على الفهم

طلحة جبريل يكتب عن الدارالبيضاء ..المدينة العصية على الفهم

ثمة مدن جميلة ، أخرى ذكية، ثالثة مزعجة ، رابعة كئيبة، خامسة عصية على الفهم .
ظني أن الدارالبيضاء من الفئة الخامسة.
تبدو لي مدينة يتعذر وضعها في خانة محددة.
خلال السنوات الأخيرة، اعتدت أن أبدأ الصباحات من هذه “الكازا”، وفي بعض الأحيان تمتد النهارات حتى يأتي المساء ويزحف الليل.
شاءت الظروف ذات مرة أن انحشر في قطار نحو محطة “البيضاء المسافرين”، وجدت أن أسمها يتطابق كثيراً مع حالها، محطة كئيبة إذا ما قورنت “بمحطة الميناء”. زادتها الأشغال الجارية حالياً كآبة. حواجز وأتربة و زحام خانق.
لاحظوا الفرق بين الاسمين . “مسافرون” و “ميناء”.
الأسم الأول يحيل على التعب والمشاق ، إذ هكذا هو السفر، والثاني دلالته واضحة ، إذ يعني الإنتقال إلى عالم أرحب.
المحطتان للقطارات ، لذلك لم أفهم كيف ارتبط إسم المحطة الأولى بالسفر دون الأخرى.
لا أحد يعرف شيئاً عن تاريخ ” البيضاء المسافرين”. ربما أهل المدينة الذين يهتمون بتاريخ الأمكنة، لهم دراية.
تجد في الغرب دائماً لوحة مثبتة داخل محطات القطارات الكبيرة ، تقدم لك نبذة عن تاريخ المحطة. ليتهم فعلوا ذلك مع بعض المحطات.
محطة الميناء أنيقة ومرتبة ونظيفة مع مرافق عصرية ، حتى تخال أنك في مطار أوربي، محطة المسافرين تعبر فعلا عن “وعثاء السفر.. وكآبة المنظر” الأولى تعمل حتى حدود التاسعة مساء، والثانية تنطلق منها قطارات الليل التي عادت ما ترتبط بالنداء الشهير ” القطار القادم من …سيتأخر عن موعده حوالي 20 دقيقة”.
نترك القطارات وحكاياتها ، وأعود إلي الدار البيضاء .
على الرغم من أن علاقتي مع هذه المدينة بدأت منذ أيام الدراسة ، وعملت فيها فترات متقطعة منذ سنوات، ما تزال معرفتي بأحيائها ومواقعها محدودة لأنها بالفعل مدينة عصية على الفهم. في كل مرة أبحث عن من يساعدني لفك ألغازها، لكن اكتشف ان ما عرفته في المرة السابقة تبخر.
ثمة مدن ترتبط بها منذ الوهلة الأولى.. ومدن أخرى يصعب عليك مسايرة إيقاعها. ظلت الدار البيضاء حتى الآن بالنسبة لي من الصنف الثاني. مدينة لا تعرف كيف ومن أين تبدأها.
أهلها يقولون انهم يحسون بالانقباض حين يزورون الرباط لأنها هادئة أكثر مما يجب، يقولون كذلك أن المغرب هو الدار البيضاء.
بلغة الأرقام يقطن الدار البيضاء قرابة ربع سكان المغرب، وفيها 70 بالمائة من حركة الرواج الاقتصادي، وهي أكبر موانئ إفريقيا قاطبة.
فيها كل شيء ونقيضه.. دون تناقض.
ترف وبؤس، بنايات تقترب من السحاب وأكواخ تفترش الأرض، فيلات فسيحة، وأحياء مثل علب السردين، هدوء وضجيج، فن ورياضة وتجارة وسياحة .. وسياسة. كل شيء وكل شيء.
مدينة نشيطة وذكية، تستوعب بسرعة وتهضم كل وافد بمعدة متحركة طوال الوقت. الحياة فيها تركض دون عثرات.
لكن، ها أنذا أكتشف بأنني لا أعرف هذه المدينة التي أعيش فيها إلى حد ما .

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eight − two =