أطفال سورية يروِّضون الخوفَ بالمشي على الحبال في لبنان

أطفال سورية يروِّضون الخوفَ بالمشي على الحبال في لبنان

استقلَّت سونيا إيفرسون سيارتها الرياضية المستأجرة، وذهبت بها وسط الطرق الصخرية المتعرجة خارج مدينة زحلة، أكبر مدينة في وسط لبنان. ستحمل سونيا مع القليل من أصدقائها المتفانين الكثيرَ من الإطارات الخشبية، على شكل الحرف (A)، والأوتاد المعدنية، وبكرات شرائط النايلون. وعلى مدار أسبوعين، سيبحثون عن أطفال المخيمات لتعليمهم رياضة الـ”سلاك لاين”، وهو نوعٌ من الرياضة، أكثر أماناً وسهولة من لعبة السير على الحبل المشدود، التي تشيع بين متسلِّقي الصخور منذ 40 عاماً. وباستخدام معداتها، إلى جانب دأبها وابتسامتها الهادئة، ستساعد سونيا الأطفال على نسيان مخاوفهم، أو استغلالها، لبضع دقائق أو لساعة، لتتحوَّل إلى ثقة في النفس. تتأمل سونيا حوضَ سهل البقاع الواسع، الذي يتميَّز بمنحدراته، والذي يعاني منذ عقود أسوأَ ظاهرةٍ منذ 900 عام، فقد أفسحت أشجار الأرز المشعثة والمباني ذات الشقق الصغيرة المجالَ لطبقة من الأراضي الزراعية، لتجفَّ فتبدو وكأنها مُتشقِّقة. الهواء معبأ برائحة الديزل، وعلى مسافةٍ بعيدةٍ، يغطيها الضباب، ترتفع جبال الحدود السورية كأنها مناشدة أو تحذير بعيد. علي سفوح الجبال أمواج ممتدة من الخيام البلاستيكية، بيضاء وزرقاء اللون، يعيش فيها ما يقرب من 400 ألف من السوريين النازحين، الذين فرُّوا إلى سهل البقاع منذ العام 2011، عندما اندلعت ثورة تحوَّلت إلى حربٍ. أصبحوا لاجئين، ويناهز عددهم المليون لاجئ في الوقت الحالي. ونظراً لأن الحكومة اللبنانية تحظر بناء المخيمات الدائمة للعائلات السورية النازحة، تجمَّعت خيام وسقيفات اللاجئين حيثما يوافق أصحاب الأراضي المتعاطفون معهم على التأجير لهم، وغالباً يكون في مقابل العمل اليدوي. بعد الظهيرة بقليل كان صوت المغنية الفرنسية الشهيرة إيديث بياف يصدح من استريو السيارة “كيا” المستأجرة. كان برادلي دولينغ هو من يقود السيارة، وهو صديق سونيا وشريكها في مؤسسة “كروسينغ لاينز”، المؤسسة غير الربحية التي أنشأتها عام 2013، ويشكلان مع رفاقهما طاقماً صغيراً مخلصاً للغاية لعملهم، يحزمون أمتعتهم إلى الأماكن التي لا توجد بها ملاعب، ويستغلون الرياضة لبناء روابط بين الناس. واتَّجه برادلي إلى الطريق الخاص بملعب كرة القدم على الطريق السريع بين بيروت دمشق، 11.2 كم من سوريا. وفي الناحية الأخرى من المنطقة، عبر منطقة ضحلة أخرى، توجد مجموعة من الخيام البالية المستترة، في ظلِّ مبنى قريب. وقفزت سونيا طويلة القامة ذات الشعر الأسود من السيارة، ونزل صديقها الآخر بايات باغنستوس من المقعد الخلفي. في عام 2015، ترك بايات، 35 عاماً، وظيفته كمدير أعمال في البنك الألماني، ثم أنشأ العام التالي مؤسسة “كلايمب آيد”، وهي مؤسسة غير ربحية لتعليم اللاجئين والشباب المحرومين تسلُّق الصخور. ستتضافر جهود كل من كروسينغ لاينز وكلايمب آيد أثناء هذه الرحلة، للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الشباب بالمنطقة. ويمكث فريق بايات في لبنان منذ عدة شهور بالفعل، وعمل على بناء علاقات مع المراقبين والمشرفين على المستوطنات، الذين تلزم موافقتهم لتنفيذ أي برنامج من هذا القبيل. بعد الحصول على الضوء الأخضر للانطلاق، كانت الخطوة الوحيدة المتبقية هي استكشاف المواقع اللازمة للدورات التعليمية المشتركة. الموقع الذي تم اختياره لم يكن مبشراً، فهو واسع ومسطح، لكنه طباشيري ومكشوف ووعر، مما يجعله غير مناسب. لا توجد أشجار أو صخور لاستخدامها لتثبيت معدات السير على الحبال، إضافة إلى أن الأرض الصلبة لا تصلح لغرس الأوتاد. كذلك فالمبنى المكشوف للهواء الطلق نفسه أُسس من الأعمدة المعدنية، إلا أن تلك الأعمدة مصمَّمة لتحمل الوزن عمودياً وليس رأسياً. عبست سونيا، ثم حوَّلت عينيها إلى أكوام المعدات المتبرع بها بالجزء الخلفي من السيارة، لكنها تذكَّرت ما تعلَّمته من رياضة السير على الحبال، وهو كيف تحسن استغلال ما هو متاح، حتى وإن لم يكن كافياً. بعد دقائق معدودة من الصمت قالت: “يبدو أننا سنضطر إلى استخدام الشاحنة”. مشيرة إلى المركبة التي يطلقون عليها اسم “الروك”، وتملكها مؤسسة كلايمب آيد، وهي عبارة عن سيارة يوروفان T4 معدلة، طراز 1997، تغطيها دعامات على شكل صخور زاهية الألوان. وأكملت: “سنوقف الشاحنة ونستخدم الأعمدة”. هزَّ برادلي، الذي يعمل استشارياً في الهندسة رأسه موافقاً، فهو يعتبر أن الإعداد الصحيح لرياضة السير على الحبال فيه شيء من الفن. كذلك وافق بايات، وكانت الخطة جاهزة، فتفقَّد الثلاثة هواتفهم للحصول على الاتجاهات للموقع التالي، لكن قبل المغادرة، لوَّحَ مدير نادي كرة القدم، وهو رجلٌ أنيق كبير في السن، ويُسمَّى ناصر، للشباب الغربيين الثلاثة، داعياً إياهم لدخول مكتبه. امتلأت الغرفة بدخان التبغ المُعطَّر، الصادر عن الشيشة الموجودة في الزاوية. اختفى ناصر وعاد حاملاً طبقاً كبيراً به جوافة وموز وبلح طازج، قدَّم لضيوفه أقداحاً زجاجية من القهوة اللبنانية الحلوة، التي صبَّها من وعاءٍ مصقولٍ، قبل أن يجلس ليدخن الشيشة، بينما يفكر بتمعُّن. لا يتحدَّث ناصر الإنكليزية جيداً، كما أن سونيا لا تتحدَّث سوى القليل من العربية، ولكن تصادف وجود أحد أبنائه كان يؤدي بعض الأعمال حول المنشأة. وعن طريقه تمكَّن ناصر من توضيح رغبته في بذل كل ما في وسعه لمساعدة الأطفال، الذين يعيش بعضهم في المستوطنة الصغيرة الموجودة على بُعد بضع ياردات فقط، وهو اليوم على استعداد أن يترك مؤسستيّ كروسينغ لاينز وكلايمب آيد تستخدمان المكان مجاناً. عبور الحبل سيراً، أو محاولة القيام بذلك، يعني أن تخضع لقوانين الفيزياء. عكس الذين يسيرون على الحبال المشدودة، والذين يستخدمون توترات عالية، وأسلاك الشداد والأوزان المعلقة، للتأكد من أن الحبال الصلبة التي يستخدمونها تتحرك بأقل قدر ممكن. ويُفضِّل ممارسو رياضة المشي على الحبال عدمَ استقرار الوسط، إلى جانب اتِّسامه بمرونةٍ أكبر، وأن يكون أكثرَ تدحرجاً. يوضع الوزن الدقيق على أسلاك النايلون المسطَّحة، فتبدأ في التحرُّك والتدحرج ذهاباً وإياباً في الوقت نفسه. يثير ذلك ذعر عقل المحب للتوازن الذي يكافح لإعادة التوازن إلى الجسم. في البداية تهتز أو ترتعش عضلات الرجل الساكنة في جانب واحد، مما يخلق موجاتٍ في الشرائط التي تتحرك إلى أعلى وأسفل في أجزاء من الثانية. يجب أن يتوقَّع الذي يسير على الحبل تلك الموجات ويتصدَّى لها، حتى لا تزيد. ربما يستغرق الأمر أسابيع وشهوراً، وربما سنوات من التمرين، لتتعلَّم كيف تسيطر على جسدك بالطريقة الصحيحة، لكن حتى أكثر “ممارسي رياضة السير على الحبال” خبرةً يسقطون في كل الأوقات. في بعض الأحيان، تكون تلك هي الفكرة. إذا كان السير على الحبال المشدودة، بكل ثباته هذا، بمثابة الكمان الكلاسيكي، إذاً فإن رياضة المشي على الحبال هي الكمان الذي يسمح بالارتجال والإزعاج. ومع أن البعض يمارسونها بطريقة تنافسية، إلا أن أغلب الهواة يرون أنه لا يوجد شيء يدعو للتنافس أو “الفوز” به في تلك الرياضة. إن نفس الحبل الذي عبرته (أو “أرسلته”) البارحة يمكن أن يهزمك اليوم. يكمن جزء من جاذبية تلك الرياضة في تشتتها وقلة القدرة على الحفاظ على نفس النتيجة. إضافة إلى أنها لا تحتاج إلى معدات فاخرة أو التمتُّع بلياقةٍ استثنائية. فهي بمثابة اختبارٍ للصبر وليس القوة. كما أنها مقياسٌ دقيق لنفسية ممارسها. تقول سونيا: “يتحوَّل الخوف والتوتُّر إلى شدِّ العضلات، مما يجعل الحبل يهتز، فتهتز أنت أيضاً، وكل ذلك يرتدّ إليك. الأمر أشبه بالتحدُّث إلى المرآة”. بعد مرور ثلاث ساعات من التحضير في ميدان ناصر، أصبح فريق كروسينغ لاينز على استعداد لبدء التعليم. وتم تثبيت ثلاثة شرائط من النايلون المسطح، يبلغ طول الواحد منها 20 قدماً وعرضه بوصة واحدة، على إطارات خشبية على شكل حرف A، وتم ربطه في عقدةٍ ثابتة، كما تم استخدام سقاطات معدنية ثقيلة لشدِّها حتى تتمكَّن من دعم الوزن، بينما تتركها مرتخية قليلاً. يُعلق كل سلك على بعد حوالي 12 بوصة من الأرض، ويمكن إحضاره من شاحنة الروك. وتحيطه مجموعة من حصائر الوقوع، مختلفة الألوان، التي يتم وضعها أسفل الحبل لحماية من يسقطون، فتضيء الشاحنة مثل المنارة في ساحة صخور بيضاء مغبرة. ويقول بايات، بينما يفرك لحيته السمراء بعصبية: “لا أعلم أبداً إذا كان أحد سيأتي”. تكمن المشكلة بالنسبة له ولسونيا ولأي أحد يتطلع إلى تنظيم ألعاب للتسلية بالقرب من المستوطنات في لبنان، في أن الصبية السوريين في سن العاشرة يتلقَّون تشجيعاً، بل وأحياناً يُجبرون على البحث عن وظائف بمجرد أن يصبحوا قادرين على أدائها. فمتطلبات الحياة الأساسية لا تترك لهم وقتاً كبيراً للأنشطة الأخرى. وأكمل: “من الصعب جداً التخطيط للمستقبل، فهؤلاء الأطفال لا يسعهم سوى التفكير في الآن. لا يوجد غداً. لا توجد خمس دقائق من الآن”. ومرَّت بضع دقائق. وتقدَّمَ المُتطوِّعون وأخذوا يُحرِّكون مفاصلهم ويدفعونها بقوة. رفعت سونيا يدها لتحجب الشمس عن عينيها وصاحت: انظر، إنهم قادمون! هناك طفلان قادمان، يسرعان ويُشبِّكان الذراع في الذراع. يتبعهم ثلاثة آخرون ثم اثنان. ثم أتت سيارتان على الطريق وخرج منهما ثمانية مراهقين. في وسط العقد الشديدة والأغراض الكبيرة، حتى بلغت الوجوه الجديدة أربعين وجهاً بعد قليل من الوقت. استغرق الأمر شهوراً من التخطيط لإجراء الاتصالات اللازمة وجمع التبرعات وتوظيف المتطوعين، والتودُّد إلى الجهات المُصنِّعة للحصول على الرعاية من أجل القيام بتلك الرحلة، وحتى بعد كل ذلك كانت سونيا تشعر بالقلق حيال عدم تحقُّقها. لم تتلق رداً على الكثير من رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلتها إلى المؤسسات غير الربحية الأخرى لطلب النصيحة. أساء الكثيرُ من زملائها فهم حماستها، ونظروا إليها على أنها ساذجة. وقبل أن تصعد على متن طائرة مباشرة متجهة إلى بيروت عبر إسطنبول، أوقفت الحكومة الأميركية خدمات التأشيرات في تركيا، فردَّت تركيا على ذلك برفض دخول المواطنين الأميركيين إلى بلادها. كان الأمر عبارةً عن فوضى، ولكن الآن، هم هنا. “اسمي سونيا”. هكذا بدأت سونيا كلامها باستخدام القليل من العربية التي تعلَّمتها ذاتياً بعد الجامعة عن طريق برنامج “روزيتا ستون” لتعلم اللغات، قبل أن تواصل حديثها بالإنكليزية. وقالت وهي مشيرة إلى الخلف: “وهذا حبل للسير عليه”. وصَعِدَت على الحبل وجلست متربِّعة، وظلَّت معلقةً هكذا، وكأنها تجلس بكل بساطة لتبدأ وقت قراءة القصة في الفصل. ثم تحركت بجسدها إلى أعلى وبدأت في التزلج ذهاباً وإياباً على الحبل، في حركات بطيئة تشبه حركات الباليه. كانت عيناها مثبتتين إلى الأمام، ويداها طليقتين، ثم اندفعت إلى الأمام كالمبارز، قبل أن تُحلِّق، ووقفت باتِّزان سريعاً على قدم واحدة. عند رؤيتها من زاوية معينة تبدو وكأنها تحلق في الهواء. وانكمشت أفواه الأطفال على شكل دائرة من الدهشة. مَن تكون تلك المرأة؟ كيف تتوازن هكذا، من دون أي مساعدة؟ نزلت سونيا بسبب صرخات الأطفال المفزعة “أنا أنا”، فقام برادلي ويوهان صقر، مهندس صوته خفيض يبلغ 27 عاماً، وأحد ممارسي رياضة المشي على الحبال القلائل بلبنان، بتنظيم الأطفال في صفوف. بمساعدة يوهان، سألت بعضاً من الوافدين الجدد عمَّا إذا كانوا قد جرَّبوا شيئاً مثل هذا من قبل، هزَّ الأولاد رؤوسهم بشدة، هل يشعرون بالتوتر حيال تجربة شيء جديد؟ صرخوا في صوتٍ واحد: “لا”، وهم يستعرضون عضلاتهم، ويصنعون حركات سوبرمان. إنهم يتعاملون بصرامة واضحة كالتي يتعامل بها الأطفال المعتادون على الاهتمام بأنفسهم. وأمسك طفلٌ يسمى يوسف، 11 سنة، ذراع سونيا، وبدأ في التقدم في الخطوات الأولى المهزوزة على الحبل. كانت يده الحرة تجول في الهواء في محاولة للإمساك بشيء غير مرئي، ثم ضَحِكَ ضحكاً هيستيرياً على ركبتيه المهتزتين. قدَّمَت سونيا كتفها لمساعدته على الاتِّزان، ونظَّمَت إيقاع خطواته البطيئة المترددة. عندما بلغ يوسف النهاية، بدا وكأنه اعتقد أنه تسلَّق إحدى قمم جبال الألب. وصرخت سونيا: “برافو”، ثم رفعت يديها وصفق يوسف عليهما. وتقدَّم أصدقاء يوسف مسرعين، وهم عبدالرحمن وشادي ووسام ليروا ما إذا كانوا سيحققون أداءً أفضلَ منه. صرخ عبدالرحمن، 12 عاماً، وكأنه يختم حكماً: “جميل!” بمجرد أن انتهى دوره، ثم تسلل إلى خلف الصف وناداه بالخبط على كتفه قائلاً: “سأجرب مرة أخرى”، ثم حرَّك رأسه تجاه سونيا وبرادلي، وأكمل: “أحتاج أن يمسكني أحد”. وردَّت عليه سونيا وصوتها مختلط بتلك الضحكة، وقالت “لا تقلق، لا يعبر أحد الحبل من المحاولة الأولى له”. حتى ناصر أراد أن يجرِّب اللعبة. وبمساعدة برادلي، رفع نفسه على الحبل مع قدم تطوف في الهواء وتأرجح لدقيقة، قبل أن يتقدم للأمام بحذر. ساعده برادلي على عبور كل الحبل، ولكن ناصر صفع صديقه الجديد على ظهره. وقال: “يجب أن تفهم”، ثم تحول إلى يوهان وقال: “أنا عجوز جداً!”. (في الواقع يبدو وكأنه لم يتجاوز الستين). وكان المراهقون هم آخر المشاركين. لمدة ساعة أو أكثر، ظلَّ أفراد المجموعة في المحيط يتصفَّحون هواتفهم. فكانوا يرسلون الرسائل ويلتقطون صور السيلفي، خاصة مع المتطوعات اللاتي تبعهن الأطفال، كما لو كانوا مجموعة من البط الصغير. لكن بمجرد أن رأوا أصدقاءهم يستمتعون بوقتهم، تدافعوا للوصول إلى الصفوف الأمامية. شبك الأطفال الأكبر أذرعهم وساعدوا الأطفال الصغار على ضبط توازنهم، في حين كان يقدم البعض الآخر أكواباً من الشاي من مطبخ ناصر. عندما امتلأت السماء بلون غروب الشمس، أشعل المراهقون المصابيحَ الأمامية بسياراتهم، حتى تكمل بقية المجموعة اللعب. تزاحم الجميع حول أشعة الضوء الكاسحة، مكونين صوراً من الظل في الظلام. واعتاد يوهان على التعامل بحذر مع اللاجئين مثل باقي المواطنين اللبنانيين. فعلى مدار شهور، انتقد رئيس وزراء البلاد بشدة الضغط الذي يشكله التيار الكبير من الأجانب على الشبكة الكهربائية الهشة للبلد الصغير، وكذلك تضاؤل الموارد المائية وأسواق العمل الفقيرة. لكنه الآن بعد تعامله مباشرة مع الأطفال السوريين، يفكر يوهان الآن بطريقة مختلفة عن الأزمة. ويقول بجدية: “عندما تنظر إلى ما لا يملكه الأشخاص، يجعلك هذا تقدر ما تملك، فهؤلاء الأطفال لا يفكرون في أنفسهم أو في أحذيتهم أو في مظهرهم أمام الناس. إنهم فقط… يستمتعون بوقتهم”. ويمكن لهذه المتعة أن تبقى في ظل ظروف يبدو فيها الرعب مستبعداً للغاية. أصبحت مشكلةالانتحار بين الأطفال وسط هؤلاء اللاجئين مستمرة ومرعبة. ومع ذلك هناك عشرات من الأطفال يستمتعون حقاً بالحركة الحرة الطليقة للحظة. ومكثت أغلب الوقت في الخلف أشاهد، أكتب ما أرى في دفتر ملاحظات، ثم ذهبت إلى محمود، ذي الأحد عشر عاماً، وكان يشاهد من الصفوف الجانبية فسألته: “ما رأيك في كل هذا؟ هل كان الأمر صعباً؟”، فسحق سيجارة، وابتسم بحذر.. كانت ابتسامته كبيرة بالنسبة لعمره. وقال: “لا شيء يصعب على الشعب السوري”. في صباح اليوم التالي، على أريكةٍ باليةٍ بمقر منظمة كلايمب آيد في مدينة زحلة بالبرقة، تزحف سونيا مغادرةً كيس النوم خاصتها، مُدجَّجَة بكوبِ قهوةٍ، تضبط على حاسوبها إحداثيات نظام تحديد المواقع الخاص بحصة اليوم التعليمية. وتغلق سونيا حاسوبها، وتبدأ في تكديس ملابسها في حقيبتها التي تحوي كل ما تحتاجه. تقول وهي ترتشف قهوتها: “أواجه صعوبةً في السماح للآخرين بالقيام بالأشياء”. لكن هذا سوء تقدير، ففضلاً عن إدارة شركتها الخاصة باستشارات التكنولوجيا، تدير سونيا ثلاثة مشروعات خيرية (كروسينغ لاينز، وسلايكلاين، والرابطة الدولية للمشي على الحبل التي ترأسها)، وعلَّمت نفسها تصميم المواقع على شبكة الإنترنت لتسويق تلك المشروعات. وحصلت على درجة الدكتوراه في علم الأحياء الجزيئي والكيمياء الحيوية، من جامعة بوسطن، في 2016. هي شخصٌ مُتعدِّد المهارات والكفاءات لخطط الطوارئ. وأخبرني برادلي لاحقاً بعينَين دمثتين وصوتٍ هادئ: “معظم ما يحدث بمشروعات المشي على الحبل مصدره تولي سونيا المسؤولية”. وقد التقى الثنائي في مهرجانٍ للمشي على الحبال في تركيا قبل أربع سنوات، وعاشا حياتهما على الطرقات منذ ذلك الحين. يقول برادلي: “إنها عازمةٌ تماماً على جعل الأوضاع أفضل للآخرين. لكن أحياناً يكون الوضع محزناً للغاية. لا تأخذ أي قسطٍ من الوقت لتعتني بنفسها. يتحتَّم عليَّ قضاء الكثير من الوقت لضمان أنها تبطئ من وتيرتها”. لا أحد من أصدقاء طفولة سونيا يسافر كثيراً، بحيث لا يملك وقتاً لتفريغ متعلِّقاته، كما أن أياً من أصدقائها الرحَّالة يسافر بأردية شبه رسمية، لكن هناك شيئاً داخل سونيا لطالما تمرَّد على المنازل، التي تشبه من وجهة نظرها الصناديق، التي يميل المجتمع إلى سجن الأشخاص بها. ترعرعت سونيا بالقرب من الحدود الكندية في رقعةٍ صغيرة للغاية تدعى صنبورست بولاية مونتانا، يبلغ تعداد سكانها 332 شخصاً، حيث لا يُدرَّس التفاضل والتكامل بالمدارس الثانوية، ويبقى الجميع تقريباً، وخاصة النساء، عالقين بالقرب من المنزل. وعلى عكس الفتيات الأخريات، ففي فصل تخرُّجها المُكوَّن من ثلاثة وعشرين طالباً، كانت سونيا طالبةً بارعة بالعلوم ومُحِبَّةً للرياضة.وتقول: “بدأت التزلج بمجرد ما تمكنت من الوقوف على قدمي”، ولا تزال فخورة بالندوب التي خلَّفَتها الإصابات التي لحقت بها، والطريقة التي يبرز بها مرفقها بمجرد أن تبسطه. وتضيف: “كنت أدور في دوائر مرتدية زلاجاتي على أرضية المطبخ حتى كُسِرَ ذراعي جرَّاء هبوطٍ سيئ، ثم فعلت ذلك مجدداً بالجبيرة”. لم تشعر سونيا بالخوف من أشياءٍ كثيرة أثناء نشأتها، على الأقل إلى حين بلغت السابعة عشرة، ووقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر. لم يكن خطر الإرهاب ما يخيفها، بل التعصُّب المعادي للإسلام الذي تصاعد في الكثير من الأماكن، وكان مصدرَ صدمةٍ في مسقط رأسها. وتتذكَّر زوج والدة أحد أصدقائها هو يتحدَّث عن الشرق الأوسط، مثيراً الاضطراب والخوف بداخلها: “يجب علينا أن نُفجِّرهم جميعاً”. وتساءلت: “كيف يمكن أن يرغب شخصٌ في قتل ملايين من الأشخاص لم يلتقيهم مطلقاً؟”. وتلك الواقعة، والعديد من الأحداث المشابهة، غزَّت رغبة سونيا، ليس فقط في السفر ودراسة تاريخ العالم الإسلامي، بل أيضاً لمساعدة آخرين في التواصل مع أشخاص مختلفين عنهم. وتقول: “الأشخاص هم الأشخاص في أي مكان كانوا.. هذا شيء واحد أثق به”. بعدما حصلت على درجة البكالوريوس في التكنولوجيا الحيوية من جامعة ولاية مونتانا في 2007، ادخرت بقشيش عام ونصف العام من العمل في حانةٍ لتمويل رحلة فردية لثلاثة أشهر للشرق الأوسط، أمضت أغلبها في العمل بمركزٍ للأبحاث الزراعية في حلب، التي كانت حينها أكبر مدينة في سوريا. كانت سوريا بالنسبة لها مكاناً أدفأ، وأكثر تنوعاً، وتحرُّراً عن الاعتقاد الذين كان لديها بسبب عناوين وسائل الإعلام حول الاضطراب السياسي بالبلد. في الحقيقة، شعرت بالراحة للغاية هناك، لدرجة أنها تقريباً لم تعد إلى الولايات المتحدة. وأتى أغلب ما تعلمته عن مجابهة الخوف وعن نفسها، بعد ذلك، عندما عرَّفها رفيقها آنذاك على رياضة المشي على الحبل في منتزه بمدينة بوزمان بمونتانا. وبصفتها مُمارِسةً للرياضة مدى حياتها (بما في ذلك السباحة، وكرة السلة، والكرة الطائرة، والبيسبول والركض) شعرت سونيا بالدهشة، حتى الإحباط، من أنها لم تتقن مهارة المشي على الحبل بسهولة. واستغرقها الأمر شهراً بأكلمه من الممارسة المنتظمة، قبل أن تتمكَّن من عبور أو “سير” حبل طوله 30 قدماً بثبات، وحتى في ذلك الحين، كانت كل خطوة تُمثِّل تحدياً جديداً. ولأنها لا ترغب في أن يتفوَّق عليها أصدقاؤها الذكور، الذين كانوا يتعاملون مع حبلٍ أطول وعلى ارتفاعاتٍ أكبر، سرعان ما قرَّرَت سونيا تجربة نوع مُتخصِّص من المشي على الحبل، يتضمن تمرير الحبل عبر وادي أو بين جبلين، وارتداء سرج تسلُّق وحبل احتياطي للسلامة. لكن الأمر لم يسر على ما يرام. فبالتحديق في هوة بجنوب بوزمان، وجدت جسدها مشلولاً حرفياً من الخوف، وكانت عاجزةً عن تحريك قدمها للأمام. بغض النظر عن قدر محاولتها، لم تستطع عقلنة مشاعرها لتصبح كما لو أنها ليست موجودة. ورفضت سونيا أن تدع الرهاب الغريزي الذي شعرت به أثناء مشيها على الحبل يمنعها من محاولة تحسين مستواها. وذكرَّت نفسها بأنه إذا كان آخرون يفعلون ذلك (وكانت تراهم يفعلون ذلك أمامها مباشرة)، إذاً ففي نهاية المطاف سيمكنها القيام به أيضاً. لكن في كل مرة كانت فكرةٌ تتسرب إلى عقلها، أو حتى أن تفكر في المكان الذي ستضع فيه قدمها، تسقط على الفور. وفي كل مرة انتهى بها الأمر مُعلَّقة بسرج التسلُّق، ويتحطَّم غرورها. ومع ذلك فقد واصلت المحاولة. تعلَّمَت سونيا أن التركيز الشديد كان السلاح الأمثل لتهدئة جسدها ومحاربة خوفها. وكانت تلك الممارسة، البسيطة إلى درجة كونها مخادعة في أساسها، نوعاً من التأمل، ومثله مثل التأمل، فالسلام الذي وجدته في المشي على الحبل انعكس إلى محيطها الخارجي. وتقول: “في البداية، تُركَّز على السيطرة على العضلات، والتنفُّس والتوازن”. وتضيف: “لكن بينما تتعلَّم، تُركِّز على كيفية تأثير مشاعرك على جسمك، كيف أن الغضب يُصعِّب المشي على الحبل. ربما تدرك أنه إذا كان الغضب يصعِّب المشي على الحبل، فقد يُؤثِّر على أجزاء أخرى من حياتك”. بعد ستة أشهر من التدريب على ارتفاع 150 قدماً فوق وادي غالاتين بمونتانا، سارت سونيا على أول حبل مرتفع لها وبكت. فكل المشاعر التي كانت تكبحها لكي تركز اندفعت في الحال. فهذا الحبل الرفيع من النايلون يحملها إلى كونٍ جديدٍ، ذلك الكون الذي لا يبدو فيه شيء مستحيلاً بعد الآن، بما في ذلك المشي بين الجبال. تقول: “تتعلَّم متى تقاتل للسيطرة، ومتى تدع الأمور تمضي”. على رقعةٍ خرسانية أخرى، تختلط رائحة النار الموقدة للطهي مع دخان العادم، وتمرر مجموعة من الأطفال وجوههم عبر قضبان بوابة مدرسة صغيرة. وأمامهم أنشأت كل من كروسينغ لاينز وكلايمب أيد مركز أنشطة مفعماً بالحيوية. حدَّق الأطفال بالمركز فيما كانوا يقتربون منه. ربما يجهلون ما هو، لكن بدا أنهم متأكدون من أن الغرض منه هو المتعة. صوت البقاع هو صوت الأطفال في حد ذاته: بكاء، وضحك، مناداة أحدهم الآخر في متاهة البنى الواهية التي عاش بعضهم بها طوال حياتهم. وأكثر من نصف اللاجئين بلبنان دون سن الثامنة عشرة، وغالبيتهم لا يمكنهم الالتحاق بالمدارس، ناهيك عن ملعب أو منتزه. ولا تفارق أصواتهم الوادي كما يلتصق الغبار بالجلد. العاملون في منظمة سوا للتنمية والإغاثة، وهي منظمة لبنانية غير حكومية تدير مركز مواد قريباً من العائلات اللاجئة، دعوا 35 صبياً وفتاة، معظمهم بين سن التاسعة والثانية عشرة، إلى هنا. وأحد الأهداف الأولية لمنظمة سوا يتمثل في تقديم المشورة والخدمات الشاملة الأخرى للنساء والأطفال السوريين، الذين عانوا من الصدمات، وهو نهج معروف على نطاق واسع بالدعم النفسي الاجتماعي. وأخبرني زياد غنيم مدير البرامج بمركز تعليمي خيري يدعى “مركز سنبلة للتعليم” قبل يوم، عندما اجتمعت سونيا وبرادلي معاً لمناقشة تهيئة مكان خلف المركز لرياضة المشي على الحبل أن “النشء يحتاج الأنشطة لإخراجهم من مناخ المخيمات”. وأضاف أن عدداً “قليلاً للغاية من المنظمات غير الحكومية يوفر الألعاب (للأطفال). نحب لو كان هناك ملعب” وأكمل مُدِيراً كف يده لأعلى كما لو كان يطلب المال: “سنحتاج إلى كثير من المال”. حبال المشي قابلة للحمل، وزهيدة الثمن، ويسهل صنعها من مواد تتوافر يومياً، لذلك تفكر سونيا أنها قد تلائم جيداً أماكن مثل “سنبلة” و”سوا”. نادى أحد أفراد فريق منظمة سوا مبتسماً على الأطفال، مُصدراً أصواتاً بسلسلة مفاتيحه: “يالا يا شباب”. ويفتح البوابة، ويقفز نحو ثلاثين صغيراً عبرها، يدفع أحدهم الآخر كما لو كانوا جزئيات، ويصيحون “أيوه! أيوه!”، مرتدين الجينز المرصع بالزينة البراقة والحلي الفضية الرقيقة، فيما تشبه بعض النيازك المتلألئة المنبثقة عبر السماء. وبدون تردد، يحيطون بأذرعهم متطوعي كورسيغ لاين، ويزرعون القبلات الخاطفة على وجناتهم. يسأل الأطفال سونيا: “ما اسمك؟”، ويتابعون وهم يتلعثمون برقة في نطق حرف الـR في لغة إنكليزية شبه مثالية: “من أي بلد أنت”.   وتجيب، وينطلق تصفيق إيقاعي بطيء ضمن الحشد: “سون– يا” ويبدأ الأطفال في ترديد: “سون– يا. سون– يا”. ويقدم كل من سونيا وبرادلي عروضاً قصيرة تنتهي بعاصفة من التصفيق، إذ تتخذ سونيا بضعة أوضاع لليوغا، فيما يوازن برادلي جسده على كتف واحد، متكئاً على يد واحدة، لكن ليس في وضع مستقيم. عندما ينتهيان، مرة أخرى يريد كل طفل أن يكون الأول. هذا الفناء إعصار مبهج من الفوضى. كل طفل لديه سؤال، كل طفل يرغب في عناق، كل طفل لديه ندرة، أو أغنية لا يمكنها الانتظار. يريد الصبيان لعب الغميضة، وترغب الفتيات في رسم قلوب وورد على أيديهن. ويدير أحد أفراد فريق سوا المذياع، ويدور الأطفال حول أنفسهم متماشين مع موسيقى البوب اللبنانية الغريبة. ومع ذلك، ففي الخارج على حبل المشي تتباطأ تلك الأحداث الظريفة، ولو لوقت قصير، لفترات استراحة هادئة. تتقلب الوجوه لتعتريها نظرةٌ عميقة، وتمتد الأجساد لتوازن نفسها. في هذه الساعات القليلة، لا يتعين على هؤلاء الأطفال في هذا المستطيل الصغير من سهل البقاع التفكير في حطام مدينتهم حمص، اليوم، فإن عقولهم حرة في استكشاف العالم خارج الأسلاك الشائكة، حتى لو كانت أجسادهم لا تستطيع ذلك. اليوم الثالث لكروسينغ لاين في سهل البقاع، ذهب بأفرادها إلى مكان يبعد فقط خمسة أميال من الحدود السورية إلى مستوطنة عائلية صغيرة، ومدرسة يحيط بها جانب حقل جاف، ومن ناحية أخرى مراعي الأغنام. انضم إليهم مرة أخرى جوهان صقر، وكذلك نسيب الخوري الثلاثيني، وهو من المؤسسين المشاركين في إنشاء مدرسة لبنانية لفن القتال البرازيلي كابويرا. وفيما قام فريق كلايمب آيد بإعداد نقطة لتسلُّق الصخور، تشير سونيا إلى الحشد المتنامي من الأطفال والمراهقين للتجمع. تخبرهم عن هويتها، وما تفعله هنا، وما هي المتعة التي يوشكون على تجربتها. في البداية، هناك حوالي 12 صبياً وفتاة من جميع الأعمار، ولكن سرعان ما يتدفق المزيد من المستوطنات المجاورة عبر الحقل. تواجه العائلات وقتاً أصعب. فقد جذب بضعة صغار قمصان المتطوعين قائلين “ميه”، وهم يشيرون بأصابعهم نحو حلقهم. إنهم يطلبون الماء، وهو مُكلِّفٌ للغاية بالنسبة للبالغين في هذه المستوطنة لمنحه للأطفال الذين يعيشون على الطريق. ومع وجود عدد قليل من الليرات اللبنانية، يقود برادلي ويوهان إلى أقرب محطة وقود، ويعودان بأكبر عدد من أباريق الماء التي تتسع لغالونَين من الماء، يمكن وضعهما في السيارة. الأطفال أكثر تحفظاً بشكل ملحوظ، على الأخص الفتيات، وكثير منهن كبار السن بما يكفي لتغطية رؤوسهن بالحجاب. نسيب يحول عينيه نحو الحقل، ويتنهد قائلاً: “لا يُتوقَّع من الفتيات في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة ممارسة الرياضة.. يُتوقَّع منهن أن يتزوجن. ولكن في بعض الأحيان، إذا شجعتهن على تحدي شيء واحد، فإنهن يبدأن في تحدي أشياء أخرى أيضاً”. بعضهم بالفعل كذلك. في كل مجموعة هناك دائماً طفل واحد أكثر جرأةً بقليل، أو يطرح سؤالاً إضافياً، أو يتحدى القواعد قليلاً، وتحاول سونيا إعطاء هذا الطالب المزيد من وقتها. فهي تعلم كيف هو الحال عندما تكون محاطاً بتوقعات الآخرين ضيقة الأفق، وتعلم كيف يكون الوضع عندما تتحرر منها.

(بوست عربي)

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *